س ٤. من تودين مقابلته؟ وماذا ستسأليه؟
شاهدت مقطعًا عن نهاية الكون وأدركت عمره، ولا أبديته. وجدتني أطيل التفكير فيمن أتوا قبلي بآلاف الأعوام، ومن سيأتون بعدي بمثلها. تُرى يضطرون كما فعلنا إلى حفر الرمال وشق البحار ليكشفوا عن أثر، أم أن حضارتنا ستستمر ويكملوا مسيرة تقدمنا. أحيانًا أفكر أن كل العلوم التي توصلنا لها على مدار قرون معدودة، كانت مكتشفة من قبل واندثرت مع أصحابها فلم نصل إليها، وأعاد العقل البشري استكشاف ما علمه يقينًا يومًا، من الصفر.
المعضلة أن بعد المخطوطات والعمران والنسيج والملموسات، كل شيء في الهواء. ذكرياتي، حروفي، وجهي وفكري، على سحابة رقمية، قد تبددها هبة شمسية في أي وقت. وإن اصطدم أحد الأجسام التي تهدد الأرض في الفضاء، على كثرتهم، بنا يومًا، فلن يحتفظ الركام بأي من هذه الأشياء. كيف سيتعرف علينا السكان الجدد؟ وهل يدفعهم البحث عن جذورهم إلى إعادة تشكيل الحضارة، أم أن وقتها كل شيء سيصبح بلا قيمة، حتى الأصل.
س ٤. من تودين مقابلته؟ وماذا ستسأليه؟
اسمي شروق، سررت بلقائك أيها الأثري من عام ٩٠٣٣.
أنا واحدة من بشر كثر عاشوا على هذا الكوكب، حاولت أن أستثمر حياتي في اختبار كل ما يتسنى لي منها.
هل تقرأ هذه الأحرف بسلاسة؟ أم مققت عينيك في الأسوار والأستار، ورسائل دبلوماسية مترجمة، لتفك شفرتها؟ إن كنت تقرأ إلى هنا فأنا فخورة بك. هذه العربية يشوبها بعض مصريتي. لغة بديعة لم أخترها ولكنها فرضت نفسها. أنا مترجمة بالمناسبة، قبل أن تستبدلني الأكواد.
بادئ ذي بدء، أود لو علمت أن حقبتي من القرن الواحد والعشرين كانت مزدحمة أكثر مما تتصور، تعج بالفلسفة وتفتقر للحب. ولا شيء فيها حقيقي. صنعنا مسوخًا لكل الأصول، وآلات لكل الوظائف والمشاعر. حتى وجوهنا التي تراها في الصور ليست ما نبدو عليه تمامًا. حتى وإن اخترعت سفينة الزمن لتنظر إلينا ستجد التعديلات والترقيعات. مهوسون قليلًا بمعايير الجمال. عمري الآن في العشرين، ما زلت لم أقدم على تغيير أي شيء، لكن سمعت بجراحة رفع الوجه التي ترد اللحم إلى أعلى وتخيط الجلد خلف شحمة الأذن، لتبدو الستينية مراهقة. سأكتب لك مجددًا في الستين إن لم تنتهي حياتي مبكرًا.
عزيزي الأثري، لماذا تبحث عني؟
ما الذي يغويك في الماضي وقد كان حاضرًا شقيًا لأهله. نحن نعيش في حروب ونووي وشعارات كاذبة. هل تعرف الإنسانية؟ لا تصدقها.
احكِ لي عن نهايتي.
كيف اندثر قومي؟ هل دمرنا الغرور وأطلقنا الصواريخ في سمائنا؟ أم أن السماء من أطلقت؟ من حقها.
عزيزي الأثري، هل تعرفون الطعام؟
نظرًا إلى شح الأرض والماء علينا الآن، أظن أنكم تمضون أيامكم كرواد الفضاء. تأكلون الكبسولات وسوائل الفيتامينات. حاول أن تترك الماضي واذهب فاحرث الأرض عن حبة قمح، اطحنها وامزجها بالماء واخبزها بالنار. هذه أزكى الروائح.
عزيزي الأثري، هل لديكم نساء؟ أم أنني فتاتك الوحيدة الآن؟
على ما يجري معنا يوميًا من عنف وابتزاز، لا أظن أننا نبقى. ربما يتطور للذكور أرحامٍ أو ينقسمون ذاتيًا بعد التخلص منا. على أي حال، إن كنت حبك الأول، فإليك عناق. هذه ضمة تعيد الحرارة لدمائك.
عزيزي الأثري، ما المغزى من الحياة؟
قضيت عمري القليل لم أعلم لعبثية الوجود معنى. ربما يعيش الرجل منكم ٣٠٠ عام الآن، كيف تحارب عقلك الفضولي الملول؟ هل تنظر للنجوم مثلي؟ تقرأ الأشعار وتنظم جنونك على الورق؟ هل تقطع المسافات وتشكو للبحر؟ نصيحتي إليك ألا تنفرد بجنونك كثيرًا، ربما شاركته مع بعض العقلاء.
عزيزي الأثري، احكِ عني.
هل الغربة والوحدة جعلت مشاعرك متأرجحة وماذا عن نصفك الآخر كيف تتوقعين أول لقاء؟
ردحذف